انتقل إلى المحتوى الرئيسي
شاشةُ حاسوبٍ محمول ليلاً وعليها استمارة تسجيل، وقائمةُ البلدان مفتوحة على سوريا، ومؤشّر الفأرة يتردّد فوقها قبل النقر.
قصص

العمل عن بُعد يصل إلى كل مكان إلا هنا

آية جمعةتُقرأ في 7 دقائق

في الثالث والعشرين من كانون الثاني 2026، سجّل أحدهم من داخل سوريا حساباً في Toptal، وهي من أشدّ شبكات العمل الحرّ انتقاءً في العالم. ملأ خبراته ولغاته وأعماله، ولم تعترض المنصّة على شيءٍ من ذلك، حتى بلغ خانة الجنسية فاختار سوريا. عندها عُلِّق الحساب. ثمّ جاء ردّ الشركة بالبريد يؤكّد أنّ المنصّة محجوبة عن السوريين.

لم يتغيّر فيه شيء. كلّ ما تغيّر أنّه قال من أين هو.

وهذه اللحظة تتكرّر عبر مئات الخدمات. ولن ندّعي أنّ الحجب الرقمي هو الذي يُفرغ سوريا من خرّيجيها؛ فالناس يرحلون بسبب الحرب والأجور والأمان والعائلة، ومئةِ سببٍ خاصّ لا يقوى مقالٌ على وزنه، ومن ردّ ذلك كلّه إلى سببٍ واحد فليس صادقاً معك. أمّا القول الأقلّ ادّعاءً فهو الأصدق، وفيه وحده ما يكفي: الحجب يقع على الأدوات نفسها التي يُبنى منها أيّ مسارٍ مهنيّ، ويقع أشدّ ما يقع على الشباب الذين تحتاج البلاد إلى بقائهم أكثر من سواهم. ولم يعد أيّ قانونٍ يقتضيه.

ثلاث بوّابات

معظم الخدمات المدرجة في قائمتنا لا تعمل من داخل سوريا كما تعمل في غيرها. واقرأ هذه القائمة تلاحظ أنّ الحواجز ليست موزّعة اعتباطاً، بل تتكدّس عند اللحظات الثلاث التي يُصنع فيها أيّ مسارٍ مهنيّ.

التعلّم. سأل مستخدمٌ منصّة Udemy عن سبب تعذّر الوصول إليها من سوريا، فعطّلت حسابه. هذه واحدة. وقد رفضت Udemy طلباتنا مراراً، متمسّكةً بأنّ العقوبات سارية بعد أن رُفعت. ورفضت Coursera مرّتين، في شباط وآذار 2026، وقالت إنّها تقرأ قواعد الامتثال قراءةً متحفّظة وتفضّل انتظار وقتٍ أهدأ. وصفحة شهادات AWS تُفتح على أتمّ وجه، ثمّ ترفض تسجيل الدخول بخطأٍ يقول إنّ البلد غير مدعوم. أمّا Google Summer of Code، وهو مدخلٌ مأجور إلى عالم المصادر المفتوحة موجَّهٌ إلى طلاب الجامعات تحديداً، فمغلقٌ أمام الطلاب السوريين منذ كانون الثاني 2026. ونحن نعرف أنّ مراسلة Google تُجدي، كما سيأتي بعد قليل. ومع ذلك لم يراسلها أحدٌ بشأن هذا البرنامج حتى اليوم.

إثبات الكفاءة. تستقبل Indeed زائرها من سوريا بجملةٍ واحدة: «Indeed لا تقدّم خدماتها في منطقتك». وتردّ HackerRank بصفحة «Access Denied»، وتردّ FlexJobs بالصفحة نفسها. أمّا LinkedIn فأقساها جميعاً، لأنّه يعمل نصف عمل: يستطيع السوريّ أن يقرأ المنصّة، ولا يستطيع أن يفتح حساباً جديداً ولا أن يجتاز التحقّق من الهوية. والتحقّق هو ما يستعيد به المرء حسابه المقفَل. فمن أُقفل حسابه فقده إلى الأبد: سجلٌّ مهنيٌّ كامل، مرئيٌّ وبعيد المنال.

قبض الأجر. Upwork محجوبة، وقد أكّد فريقها القانوني أنّ سوريا ما تزال غير مدعومة، دون أن يلتزم بجدولٍ زمنيّ. وفي 8 و9 آب 2026 راسلها متطوّعٌ عبر قناتين، فجاءه من كلٍّ منهما ردٌّ آليّ. ولمنصّة «مستقل» العربية حكايةٌ أخرى: تُفتح من سوريا ويُعمل عليها بلا عائق، لكنّ سحب الأموال إلى سوريا متعذّر. وهذا عائقٌ مصرفيّ لا عائق حجب، وهو أعسر حلّاً من سواه. العمل يُنجَز. والمال لا يُقبَض.

اجمع البوّابات الثلاث يتبيّن لك مسارٌ مهنيّ بلا مدخل، ولا إثبات، ولا أجر. وليست هذه مضايقةً عابرة، بل حجّةٌ صامتة للرحيل تتكرّر كلّ يوم، وتُوجَّه تحديداً إلى من بلغوا من الكفاءة ما يجعل الرحيل خياراً متاحاً أمامهم.

والناس يُجرون هذا الحساب فعلاً. أمضى تيم الله كليزي عشرة أيام في سوريا يختبر إن كان يستطيع العودة إليها بعد ثلاثة عشر عاماً في الغربة. وكتب هنا في تموز أنّ أثقل ما واجهه لم يكن الكهرباء ولا الطرق، بل الخدمات المحجوبة: أدوات الذكاء الاصطناعي التي يتعلّم بها، والمنصّات التعليمية، وLinkedIn الذي يقرؤه ولا ينضمّ إليه. وغادر وهو يسأل إن كان يستطيع بناء مسارٍ مهنيّ من داخل البلاد أصلاً. هو شخصٌ واحد، لكنّ القائمة توحي بأنّه ليس استثناءً.

الساعة تدقّ

وقد يُظَنّ أنّ لهذا كلّه سنداً قانونياً. لم يعد له سند.

فمعظم البناء القانوني سقط أصلاً. في 30 حزيران 2025 أنهى الأمر التنفيذي 14312 برنامج العقوبات الأميركي الشامل على سوريا. ورفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية، مُبقياً على إجراءاتٍ موجَّهة ضدّ أفرادٍ وكياناتٍ بأسمائهم. وفي 18 كانون الأول 2025 ألغى الكونغرس «قانون قيصر» إلغاءً تامّاً ودائماً.

وبقي تصنيفٌ واحد قائماً: إدراج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979. وفي 8 تموز 2026 أبلغ الرئيس الأميركي الكونغرس عزمه على شطبه، فانفتحت بذلك مراجعةٌ إلزامية مدّتها 45 يوماً تُغلق في 22 آب 2026. وحتى لحظة نشر هذا المقال، لا يزال التصنيف سارياً قانوناً، ولم يُصدر الكونغرس أيّ قرار اعتراضٍ مشترك.

ومعنى ذلك أنّ أقوى حجّةٍ في يد فريق امتثالٍ حَذِر توشك أن تنقضي خلال أيام. أمّا النصف الآخر من المشكلة فلن ينقضي وحده، لأنّه ليس قانوناً أصلاً.

لم يقرّر أحدٌ هذا

وهنا أصعب ما في الأمر: معظم هذه الأبواب لم تُغلق أصلاً بوصفها قراراً في حقّ السوريين.

افتح HackerRank أو FlexJobs من دمشق، فيأتيك الرفض من Akamai، وهي شبكة توصيل محتوى تقف بين القارئ والموقع. وفي Clickworker وAshby هو جدار Cloudflare الناريّ. وفي Mindrift بوّابة تطبيقات من Microsoft Azure. وفي MyIntealth، وهي البوّابة التي لا بدّ لكلّ خرّيج طبٍّ دوليّ أن يمرّ بها، صفحةُ امتثالٍ تعود إلى Salesforce، البرمجية التي بُنيت عليها البوّابة مصادفةً.

فالذي يرجّح كفّةً في قرار مهندسٍ شابّ عن المكان الذي سيقضي فيه عمره ليس حُكماً أصدره أحدٌ بحقّه. إنّه خانةٌ في طبقةٍ وسيطة، وُضعت عليها علامة حين كانت العقوبات سارية، ولم يمحُها أحدٌ بعد ذلك.

ولهذا تعود بعض الخدمات دون أن يطلبها أحد: عادت Google Ads في شباط 2026 دون أيّ مراسلة مسجَّلة، وعاد Microsoft Teams في كانون الثاني. ولهذا أيضاً لا يعني رفع الحجب أنّ الخدمة صارت صالحة للاستعمال. أعادت Roblox الوصول في 15 تموز 2026، لكنّ رمز الاتصال السوريّ +963 ما يزال غائباً عن قائمة التحقّق من أرقام الهواتف، فلا يُتمّ السوريّ تحقّقه، ولا يُفعّل حماية حسابه بخطوتين. رُفِع الحظر، وبقي المنع.

ولا يصحّ أن نقرأ هذا كلّه لامبالاةً. ففرق الامتثال تتحمّل مسؤوليةً قانونية حقيقية، وقانون العقوبات متشابكٌ فعلاً، وثمن الخطأ في قراءته يقع عليها لا علينا. الحذر تصرّفٌ معقول. لكنّ الحذر لا يكون مجّانياً قط؛ إنّما يدفع ثمنه غيرُ من احتاط، وهو يصل هنا إلى أناسٍ لا ناقة لهم ولا جمل فيما فُرضت العقوبات من أجله.

وحين تعيد شركةٌ النظر فعلاً، يكون الحلّ صغيراً في العادة. راسل الفريق Google في كانون الثاني 2026، فأكّدت الشركة أنّ Firebase يُفتح أمام سوريا. وبحلول شباط كان متطوّعون يسجّلون الدخول عبر خطّ DSL منزليّ ويشغّلون عليه كلّ الخدمات، بلا VPN البتّة.

كيف تبدو الخسارة

ارجع خطوةً إلى الوراء تجد بلداً يحاول أن يستوعب أهله من جديد. فمنذ كانون الأول 2024 عاد نحو 1.6 مليون لاجئ من الخارج، وعاد نحو 1.9 مليون نازح داخليّ إلى مناطقهم. وتقرير مفوّضية اللاجئين الصادر في أيار 2026 لا يواري: ثبات هذه العودة رهنٌ بالوصول إلى الخدمات وسبل العيش.

أمّا المسح الذي أجرته منظمة العمل الدولية لمهارات العائدين، وصدر في 11 أيار 2026 عن 5335 استجابة من أربع محافظات، فوجد أنّ أكثر من 80% من المشاركين بلا عمل، وأنّ أوسع الفجوات في المهارات الرقمية والتقنية. لا يذكر أيٌّ من التقريرين الحجب ولو مرّة واحدة. وكلاهما يصف بلداً يتوقّف تعافيه على قدرة الناس على تحويل مهارةٍ إلى رزق.

وحين ييأس مهندسٌ ويرحل، لا تخسر البلاد شخصاً واحداً. تخسر الشركة التي كان سيؤسّسها، والطلاب الذين كان سيعلّمهم، والعملاء الذين كان سيجلبهم معه إلى بلده. وهي خسارةٌ لا تُرى كما يُرى بناءٌ متضرّر، ولهذا بالذات يسهل تأجيلها.

أمّا الحساب الذي بدأنا به، فقد راسلنا Toptal بشأنه في التاسع من شباط 2026، على عنوانَي الدعم والشؤون القانونية معاً. جاءنا إشعارٌ آليّ باستلام الرسالة، ولم يصلنا بعده شيء.

فالسؤال ليس: هل يدفع الحجب الرقمي السوريين إلى الخارج؟ بل: لماذا يبقى عائقٌ زال سببه القانوني واقفاً في وجه من يريدون البقاء؟

إن كانت خدمةٌ ما تحجب عنك دراستك أو عملك أو أجرك، فصوّت لها عندنا؛ فالأصوات هي التي تقرّر أيّ بابٍ نطرقه أوّلاً. ومئاتٌ من الخدمات التي نتتبّعها لم تصل الشركاتِ التي وراءها رسالةٌ واحدة، ولا مرّة. فإن كنت تعرف من تُراسل في إحداها، فاكتب أنت. فبعض ما عاد، إنّما عاد لأنّ شخصاً واحداً جلس وكتب رسالة.

Toptalلم يُفحص من سوريا بعد

مقالات ذات صلة