
عشرة أيام في سوريا: أصعب ما واجهني لم يكن مرئياً
تيم الله كليزيتُقرأ في 4 دقائقلم تكن العودة إلى سوريا ضمن حساباتي بعد ثلاثة عشر عاماً في القاهرة. غير أنّ ما تشهده البلاد من تحوّلات، وما يتزايد على السوريين في الخارج من ضغوط، دفعني للمرة الأولى إلى التفكير الجادّ في أن أبني مستقبلي في بلدي. أردتُ أن أعرف بنفسي: هل أستطيع أن أعيش وأدرس وأعمل هناك؟ فقرّرتُ أن أمضي عشرة أيام في سوريا أرى فيها الواقع بأمّ عيني.
لم يكن قراري عاطفياً فحسب، بل معنيّاً بالمستقبل قبل كلّ شيء؛ فأنا طالبٌ في السنة الثانية بكلية علوم الحاسوب، أحلم بأن أعيش وأعمل وأُسهم في بناء بلدي. كنتُ أتوقّع أن تواجهني تحدياتٌ تتّصل بالكهرباء أو البنية التحتية أو الخدمات، لكنّني لم أتوقّع قطّ أن يكون أكثر ما يُثقل قراري شيئاً لا يُرى: خدماتٌ رقمية محظورة داخل سوريا.
منذ أن بدأتُ دراسة علوم الحاسوب، صارت أدوات الذكاء الاصطناعي جزءاً من طريقتي في التعلّم؛ أستعين بها على فهم المفاهيم المعقّدة، وتصحيح الأخطاء البرمجية، ومراجعة أفكاري، وإنجاز مشاريعي في وقتٍ أقصر. كما أعتمد على المنصّات التعليمية والدورات الرقمية التي غدت أمراً طبيعياً في مسار أيّ طالبٍ في هذا المجال. غير أنّي في سوريا لم أستطع أن أستخدم كثيراً من هذه الأدوات كما اعتدتُ؛ فخدماتٌ مثل ChatGPT وGemini وClaude لم تكن متاحةً مباشرةً، وكان الوصول إلى كثيرٍ من المنصّات التعليمية مقيّداً أو عسيراً.
في البداية حسبتُ الأمر مجرّد إزعاجٍ عابر، لكنْ مع مرور الأيام أخذتُ أنظر إليه نظرةً مختلفة:
إن انتقلتُ إلى سوريا، كيف سأُكمل دراستي؟ وكيف أتعلّم بالوتيرة نفسها التي يتعلّم بها أقراني في سائر أنحاء العالم؟
وفي كل مرّة احتجتُ فيها إلى أداةٍ صارت جزءاً من يومي، كنتُ أجد نفسي منشغلاً بالعائق نفسه بدلاً من الانصراف إلى الدراسة.
وحتى خارج الدراسة، لمستُ أنّ هذه القيود الرقمية تمتدّ إلى أدقّ تفاصيل الحياة اليومية. أنا وأصدقائي نحبّ أن نشاهد فيلماً أو مسلسلاً معاً بعد يومٍ طويل، لكنّ الوصول إلى منصّات البثّ مثل Netflix والاشتراك فيها ليس أمراً بديهياً داخل سوريا، سواءٌ لقيودٍ على الخدمة نفسها أو لصعوبة وسائل الدفع. قد تبدو هذه تفاصيلَ صغيرة، لكنّها تذكّرك على الدوام بأنّك معزولٌ عن خدماتٍ يعدّها معظم الناس حول العالم أمراً اعتيادياً.
ما صدمني أكثر
لم يتوقّف الأمر عند أدوات الذكاء الاصطناعي أو منصّات البثّ؛ فأكثر ما صدمني كان LinkedIn. لم تكن المسألة أداةً للبحث عن وظيفة فحسب؛ فبالنسبة إلى طالب علوم حاسوب يبدأ بناء مسيرته المهنية قبل تخرّجه بسنوات، كنتُ أسأل نفسي: إن استقررتُ في سوريا، كيف أبني شبكة علاقاتي؟ كيف أتواصل مع الشركات؟ كيف أعرض مشاريعي؟ وحين تتعقّد هذه الخطوات، يغدو بناء المستقبل نفسه أشقّ.
اكتشفتُ أنّ تصفّح المنصّة متاح، لكنّ إنشاء حسابٍ جديد، والتحقّق من الهوية، واستخدام الميزات المدفوعة، أمورٌ لا تُتاح للمستخدمين في سوريا؛ بل إنّ تعذّر التحقّق من الهوية يُعطّل بدوره استعادة أيّ حسابٍ مُقفَل. وهذا لا يطال الأفراد وحدهم، بل يطال الشركات السورية أيضاً، إذ تجد نفسها معزولةً عن أهمّ المنصّات المهنية في العالم.

وعلى مدى الأيام العشرة، وجدتُني أطرح على نفسي سؤالاً لم أتوقّع أن يداهمني بهذه السرعة:
هل أستطيع حقاً أن أدرس وأبني مسيرتي المهنية من داخل سوريا؟
لم تكن العقدة في رغبتي بالعودة؛ بل على العكس، زادتني الزيارة رغبةً في أن أكون جزءاً من مستقبل سوريا. أشعر اليوم أنّ ثمّة مساحةً أوسع للأمل، وحريةً أرحب في التعبير، ورغبةً حقيقية لدى الشباب في بناء بلدهم.
لكنّني أدركتُ أيضاً أنّ إعادة الإعمار لا تقتصر على الطرق والمباني. ثمّة إعمارٌ آخر لا يقلّ أهمية: إعادة وصل السوريين بالعالم الرقمي. فالطالب الذي لا يبلغ أدوات التعلّم الحديثة، والمطوّر الذي يعجز عن استخدام منصّات البرمجة، ورائد الأعمال الذي تُغلَق دونه الخدمات المالية والمهنية، جميعهم يخسرون فرصاً لا يراها أحد. فالمشكلة ليست في نقص الكفاءات، بل في أبوابٍ رقمية كثيرة لا تزال موصدة.
رسالتي للشركات
سوريا تتغيّر، وشبابها يريدون أن يكونوا جزءاً من العالم الرقمي. لكنّ استمرار القيود يحرم آلاف الطلاب والمطوّرين ورواد الأعمال من أن يتعلّموا ويعملوا ويتنافسوا على قدم المساواة. نحن نستحقّ الأمل، ونودّ لو تشاركوننا صنع مستقبلنا بأن تفتحوا في وجوهنا الأبواب الموصدة.
ختاماً
ما زلتُ أريد العودة إلى سوريا، وما زلتُ أؤمن بأنّ مستقبلها يستحقّ أن نبنيه. لكنّ بناء المستقبل لا يقوم على الإسمنت والحديد وحدهما، بل على اتصالٍ مفتوح بالعالم.