انتقل إلى المحتوى الرئيسي
جواز سفر مستهلَك وتذكرة حافلة وكأس شاي على طاولة؛ مشهدٌ يختصر رحلة طبيب سوري من أجل توثيق واحد.
قصص

ختمٌ يَناله الجميع من بيوتهم، إلا السوريّين

عمر البيكتُقرأ في 4 دقائق

طبيب سوري، طلب ألّا ننشر اسمه، يحاول أن يفعل ما يفعله آلاف من أقرانه: أن يجتاز الامتحانات، ويوثّق شهادته في الخارج، ويمارس الطب في الولايات المتحدة أو أستراليا. خطوة واحدة تعطّل كل شيء. ليست امتحاناً، بل توقيعاً.

"ماي إنتيلث" (MyIntealth) هي المنصّة التي يستخدمها خرّيجو الطب الدوليون لإدارة شهادة ECFMG. ولفتح حساب عليها، على المتقدّم أن ينجز أولاً عملية توثيق (Notarization): مقابلة قصيرة لا تتجاوز الدقيقتين، يتأكّد فيها موظف من هويته ويتحقّق من بياناته. وهي بالنسبة إلى معظم الأطباء إجراء شكلي يُنجَز عبر الإنترنت من المنزل. أما السوريون، فلا يملكون هذا الخيار أصلاً.

يقول: "يستطيع أي شخص آخر أن ينجزها وهو في بيته، وإلى جانبه كأس شاي، بنحو خمسين دولاراً. أما نحن، فمحكومٌ علينا أن نسافر خارج البلاد من أجل دقيقتين."

لم يكن الأمر بهذه الصعوبة دائماً. كان التوثيق يجري في دمشق، في قسم رعاية المصالح الأمريكية داخل السفارة التشيكية. وقرابةَ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أُغلق هذا الباب. ولم يبقَ سوى السفارتين الأمريكيتين في بيروت وعمّان، وسرعان ما باتتا غير موثوقتين. وحين اندلعت الحرب في المنطقة، أُغلقت السفارات الأمريكية نحو ثلاثة أشهر، بين شباط (فبراير) وأيار (مايو). تجمّدت الطلبات، وتأخّرت الامتحانات.

عادت بيروت لتفتح فترة وجيزة، ثم أُغلقت من جديد بلا مواعيد. واليوم لم يبقَ سوى عمّان باباً وحيداً، والتوقيت وحده يجعل الأمر قاسياً. مواعيد التوثيق أيام الخميس حصراً، فيسافر المتقدّمون قبلها بيوم، ويحضرون صباح اليوم التالي بين الثامنة والربع والتاسعة إلا ربعاً. ولا تسير سوى حافلتين عائدتين إلى دمشق، واحدة في السابعة صباحاً وأخرى عند الظهر. تنطلق الأولى قبل بدء الموعد، فيُضطرّ الجميع إلى حافلة الظهيرة، وهي لا تتجاوز دمشق. ومن كان من محافظة أخرى لا يستطيع العودة إلى بيته في اليوم نفسه، ومع توقّف الحركة يوم الجمعة، ينتظر حتى السبت.

ما يدفعه السوريّ مقابل توقيعٍ واحد

  • رسم قنصلي: 110 دولارات
  • ثلاث ليالٍ فندقية إجبارية: نحو 100 دولار
  • إضافةً إلى التوثيق والطعام والتنقّل

ما بين 260 و280 دولاراً لختم واحد، قبل احتساب أيام العمل والدراسة الضائعة. وفي أي مكان آخر، تُنجَز المهمة نفسها من البيت بنحو 50 دولاراً.

بل إنّ عمّان نفسها بعيدةُ المنال عن بعضهم؛ فالفلسطينيون السوريون ممنوعون حالياً من دخول الأردن، ما يتركهم بلا طريقٍ البتّة.

"تهمتنا الوحيدة أنّنا سوريّون."

والدفع مرّةً واحدة لا يعني أنّ المشوار قد انتهى. فبعد أن سافر ووثّق وأنفق نحو 400 دولار، رفع الوثيقة إلى المنصّة فرُفِضت. والسبب أنّ صورة هويته قديمة، إذ تشترط "ماي إنتيلث" صورة التُقطت خلال الأشهر الستة الأخيرة، وهي قاعدة يقول إنها لم تُوضَّح له قط. كان قد رفع صورة حديثة، لكنّ خللاً في الموقع أرفق صورة أقدم بدلاً منها. والآن عليه أن يعيد الرحلة كاملة. وبحسب تقديره، سيكلّفه هذا التوثيق الواحد نحو 800 دولار في النهاية.

هو لا يطلب معاملة خاصة، بل تلك المهمة التي لا تستغرق سوى دقيقتين، والتي يؤدّيها العالم كلّه من بيوته. يقول: "إنها هدر للمال والوقت، ومرهقة بلا طائل."

حاجزٌ زال سببه وبقي

رحلته ليست سوى وجه واحد للمشكلة، فالحجب أعمق من مكتب الموثّق؛ إذ يطال الخدمة نفسها. فحين اختبر فريق "سوريا بدون قيود" منصّة "ماي إنتيلث" من داخل سوريا، فُتِح الموقع العام بصورة طبيعية، لكنّ بوّابة التقديم، وهي الجزء الذي يحتاجه خرّيجو الطب الدوليون فعلاً، أعادت توجيه المستخدمين إلى صفحة امتثال تابعة لشركة "سيلزفورس" (Salesforce)، وهي المنصّة البرمجية التي بُنيت عليها البوّابة. وقد ذكرت تلك الصفحة سوريا بالاسم، استناداً إلى قوانين الرقابة على الصادرات والعقوبات الأمريكية.

وليس هذا قراراً اتّخذته "إنتيلث" بحقّ الأطباء السوريين، بل إعداد افتراضي داخل "سيلزفورس" يعامل كل من في البلد بوصفه ممنوعاً. وما يزيد الأمر مرارة أنّ هذا الإعداد لم يعد يطابق القانون؛ ففي كانون الأول (ديسمبر) 2025 خفّفت الولايات المتحدة عقوباتها على سوريا، وخرجت البلاد من قائمة الدول المحظورة لدى وزارة الخزانة. زال الأساس القانوني للجدار منذ أشهر، لكنّ الجدار بقي قائماً.

كلا الحاجزين، مكتبُ عمّان والصفحةُ على الشاشة، يعودان إلى أصلٍ واحد: تصنيفٌ خفّفته الولايات المتحدة بالفعل، ولا تزال تنفّذه أنظمة لم تواكب التغيير.

أين وصلت القضية

يعمل "سوريا بدون قيود" على هذا الملف منذ أن أكّد بلاغ من داخل سوريا وجود الحجب في آذار (مارس). فقد راسل أحد المتطوّعين منظمة "إنتيلث" غير الربحية التي تقف خلف المنصّة، مشيراً إلى تخفيف العقوبات في كانون الأول وإلى وثائق وزارة الخزانة نفسها. وتابع الفريق المراسلة مباشرة. وحتى الآن لم يصل سوى إقرار آلي بالاستلام، ولا تزال القضية مفتوحة وقيد المراجعة. وقد أضاف أكثر من 250 شخصاً أصواتهم للمطالبة بحلّها.

الحلّ ليس معقّداً؛ إنه إعداد واحد يُواءَم مع قانون تغيّر أصلاً. وإلى أن يحدث ذلك، تظل الكلفة تقع على أناس مثله: أطباء اجتازوا الامتحانات وأدّوا ما عليهم، ولم يُطلب منهم سوى أن يُثبتوا هويتهم، فاضطُرّوا إلى عبور الحدود في سبيل ذلك.

أضِف صوتك وتابِع مستجدّات القضية من هنا:

MyIntealthمحدود