
سورية على بُعد 45 يوماً من الخروج من قائمة الدول الراعية للإرهاب
فضل عبد الغنيتُقرأ في 9 دقائقملاحظة تحريرية. يعيش السوريّون اليومَ حجباً رقمياً يحرمهم من خدماتٍ يوميةٍ باتت جزءاً طبيعياً من حياة العالم. نسعى في مبادرة "سوريا بدون قيود" على إنهاء هذا الحجب بأشكاله كافّة، وقد وجدنا أنّ كثيراً منه لا يستند إلى قانونٍ نافذ، بل إلى بقايا عقوباتٍ أميركية وتصنيفاتٍ إرهابية، وإلى مبالغةٍ من الشركات في الامتثال لها. يُفكّك فضل عبد الغني، مؤسس الشبكة السورية لحقوق الإنسان ورئيسها، في هذا المقال التصنيفَ الوحيد الذي لم يُرفَع بعد، ويشرح لماذا لا يزال يُحكم قبضته على وصول سوريا إلى العالم. والمقال هنا مقتبس ومُحدَّث عن تحليلٍ له نشرته الشبكة نفسها في يونيو/ حزيران 2026.
أبيّن في هذا المقال أن إدراج سورية على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979 لا يزال سارياً حتى اليوم، على الرغم من التحولات القانونية والسياسية الجوهرية التي أعقبت سقوط نظام الأسد. وتتمثل القضية الأساسية في أن شطب سورية من هذه القائمة ليس قراراً سياسياً يُتخذ بجرّة قلم أو بتوقيع وزاري، بل مسار قانوني صارم تحكمه نصوص القانون الفيدرالي الأميركي.
وأعرض في هذا السياق ثلاث نقاط: أولاً، أن الولايات المتحدة أنجزت تفكيك المنظومة العقابية الشاملة المفروضة على سورية، بما في ذلك إلغاء قانون قيصر بصورة دائمة، ورفع التصنيفات الإرهابية عن هيئة تحرير الشام والرئيس أحمد الشرع، غير أن تصنيف سورية دولةً راعيةً للإرهاب يسلك مساراً قانونياً مستقلاً لا تطاله هذه التحولات. ثانياً، أن إتمام الشطب يستوجب، بموجب القانون الأميركي، إقراراً رئاسياً رسمياً يُرسل إلى الكونغرس، تعقبه فترة مراجعة إلزامية مدتها خمسة وأربعون يوماً، يجوز خلالها للكونغرس تمرير قرار مشترك بالرفض؛ وقد استُوفي أول هذين الشرطين الآن — ففي 8 يوليو/ تموز 2026 أخطر الرئيس الكونغرس بقراره — لكنّ فترة المراجعة البالغة 45 يوماً لم تنقضِ بعد، ويبقى التصنيف سارياً إلى أن تكتمل. ثالثاً، أن استمرار التصنيف يُلقي بظلاله على مسار التعافي الاقتصادي، إذ يُرسّخ العزوف عن المعاملات المصرفية مع سورية، ويعيق وصولها إلى تمويل المؤسسات الدولية، ويُبقي شبح المسؤولية القانونية معلقاً فوق رؤوس الأطراف الثالثة الراغبة في الاستثمار.
وينتهي المقال إلى أن التقدم المُحرز واضح ومشجع، غير أن إزالة هذا التصنيف تظل رهينة باستكمال مسارها القانوني الكامل؛ إذ يبقى استمراره إرثاً ثقيلاً من حقبة الأسد ما لم تُختتم إجراءاته القانونية وفق ما يوجبه القانون الأميركي.
شطب سورية من هذه القائمة ليس قراراً سياسياً يُتخذ بجرّة قلم أو بتوقيع وزاري، بل مسار قانوني صارم تحكمه نصوص القانون الفيدرالي الأميركي.
ما الذي رُفع بالفعل
صنفت الولايات المتحدة سورية دولةً راعيةً للإرهاب منذ عام 1979، وهي أطول مدة لأي دولة مدرجة على القائمة. وخلال الأشهر التي أعقبت سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، أنهت الولايات المتحدة برنامج عقوباتها الشامل المفروض على سورية، وألغت قانون قيصر، ورفعت تصنيف هيئة تحرير الشام (HTS) منظمةً إرهابية أجنبية، وشطبت الرئيس أحمد الشرع من قائمة الإرهابيين العالميين المحدّدين بشكل خاص التابعة للولايات المتحدة ومن نظام عقوبات مجلس الأمن رقم 1267، واستبدلت هيكلية عقوباتها الواسعة بإطار أضيق قائم على السلوك. ومع هذا، لا تزال سورية مدرجة على قائمة الدول الراعية للإرهاب (SST). ولا يعود تفسير هذا إلى جمود سياسي، بل إلى إجراءات قانونية ملزمة؛ فشطب دولة من قائمة الدول الراعية للإرهاب عملية قانونية يحكمها القانون الفيدرالي، وهذه العملية، على الرغم من تقدمها الملحوظ، لم تكتمل بعد.
وكان المحفز الإجرائي للمرحلة الحالية هو الأمر التنفيذي رقم 14312، الذي وقعه الرئيس دونالد ترامب في 30 يونيو/ حزيران 2025. وقد قضى هذا الأمر، في الوقت نفسه، بإنهاء لوائح العقوبات السورية، وإلغاء ستة أوامر تنفيذية أساسية، وشطب 518 فرداً وكياناً من قائمة الرعايا المعينين بشكل خاص (SDN)، بمن فيهم مصرف سورية المركزي. كما استبدل هيكلية العقوبات السابقة بنظام أضيق هو عقوبات تعزيز المساءلة عن الأسد والاستقرار الإقليمي (PAARSS)، الذي يستهدف الأفراد المرتبطين بالأسد، ومنتهكي حقوق الإنسان، ومهربي الكبتاغون، والمسؤولين عن أنشطة الانتشار المرتبطة ببرنامج سورية للأسلحة الكيميائية، والجماعات التابعة لتنظيمي داعش والقاعدة، والوكلاء الإيرانيين. وفي خطوة إجرائية منفصلة ومتميزة، وجّه الأمر التنفيذي وزير الخارجية إلى مراجعة تصنيف سورية دولة راعية للإرهاب. وتسير هذه المراجعة وإنهاء العقوبات الأوسع نطاقاً على مسارين قانونيين مختلفين.
لماذا الشطب مسار قانوني لا مجرّد توقيع
وقد أكملت وزارة الخارجية تلك المراجعة، وفي 8 يوليو/ تموز 2026 أعلنت أنها تباشر عملية شطب التصنيف — وهي خطوة أعلن عنها الرئيس ترامب إلى جانب الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف الناتو في أنقرة — مع تأكيد وزير الخارجية ماركو روبيو أنَّ الإدارة أخطرت الكونغرس بذلك، مستندةً إلى إجراءات مكافحة الإرهاب التي اتخذتها الحكومة السورية برئاسة الشرع وإلى تأكيداتٍ رسمية بعدم دعم الإرهاب مستقبلاً. وهذا الإخطار خطوة مهمة، غير أنَّه لا يشكّل بحد ذاته شطباً، خلافاً لما تداولته مواقع إعلامية عديدة وصفحات التواصل الاجتماعي. لأن هناك، بموجب القانون الأميركي، مسارين قانونيين لإلغاء تصنيف الدول الراعية للإرهاب، مستمدين من قانوني إدارة الصادرات ومراقبة تصدير الأسلحة. يتطلب الأول من الرئيس أن يقدم إقراراً إلى الكونغرس يفيد بأنَّ الحكومة المصنفة لم تقدم أي دعم للإرهاب الدولي في الأشهر الستة السابقة، مصحوباً بتأكيدات بأنَّها لن تفعل هذا في المستقبل. ويطبّق المسار الثاني عندما يحدث "تغيير جوهري في قيادة وسياسات" الحكومة، ويتطلب أيضاً تأكيدات بعدم التكرار. وفي الحالتين، يجب إرسال إقرار رئاسي رسمي إلى الكونغرس، بما يطلق فترة مراجعة إلزامية مدتها 45 يوماً قبل أن يدخل الإلغاء حيز النفاذ القانوني. وفي هذه الفترة، يجوز للكونغرس تمرير قرار مشترك بالرفض لمنع الشطب. وقد قدّر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أنَّ مسار الإقرار الخاص بالأشهر الستة هو الأكثر قابلية للدفاع عنه قانونياً في حالة سورية، لأنَّه يستند إلى سجل أدلة محدد وقابل للتحقق. وبناءً على هذا، يسير التسلسل القانوني على النحو الآتي: قرار الوزير، ثم الإقرار الرئاسي الرسمي، ثم إخطار الكونغرس، ثم فترة المراجعة 45 يوماً، ويلي ذلك الشطب الرسمي. وقد جرى إخطار الكونغرس فعلاً في 8 يوليو/ تموز 2026، بما فتح فترة المراجعة البالغة 45 يوماً؛ ولن يدخل الشطب الرسمي حيز النفاذ القانوني قبل أن تنقضي هذه الفترة دون تمرير قرار مشترك بالرفض.
من أين جاء تصنيف عام 1979
وقد استند الأساس الأصلي لتصنيف سورية عام 1979 إلى تقييمات أميركية لدعم نظام الأسد للفصائل الفلسطينية المسلحة، وتحالفها الاستراتيجي مع إيران، ودعمها المادي منظمات مصنفة إرهابية بموجب القانون الأميركي، بما فيها حزب الله. وظل التصنيف سارياً بصورة متواصلة طوال فترة حكم بشار الأسد، مدعوماً بتسهيل سورية عبور المقاتلين الأجانب إلى العراق، وترسيخ البنية التحتية العسكرية لحزب الله في لبنان، واستخدامها الموثق الأسلحة الكيميائية.
ماذا يفعل التصنيف حتى الآن
وتختلف العواقب العملية للتصنيف دولة راعية للإرهاب عن تلك المفروضة بموجب العقوبات القائمة على الأوامر التنفيذية، كما تعمل على أساس قانوني مستقل. وتشمل هذه العواقب قيوداً على المساعدات الخارجية الأميركية بموجب قانون المساعدات الخارجية، وحظراً على الصادرات والمبيعات الدفاعية بموجب قانون مراقبة تصدير الأسلحة، وضوابط مشددة على الصادرات ذات الاستخدام المزدوج، وقيوداً على المعاملات المالية، والتزاماً قانونيّاً على الممثلين الأميركيين في المؤسسات المالية الدولية بمعارضة القروض والمساعدات للدول المصنفة. كما يخلق التصنيف مخاطر قانونية كبرى للشركات والمؤسسات المالية وحكومات الدول الثالثة التي تتعامل مع الدولة المصنفة، ما قد يعرّضها لتصنيفات ثانوية وعقوبات مدنية أو جنائية بموجب القانون الأميركي. وتستمر هذه العواقب بصورة مستقلة عن أي إعفاء يُمنح على المستوى التنفيذي من خلال أدوات أخرى.
حجم الإعفاءات الممنوحة بالفعل من خلال تلك الأدوات الأخرى كبير، والتسلسل الزمني هنا مهم لفهم ما حصل:
كيف رُفعت العقوبات — تسلسل زمني
- 23 مايو/ أيار 2025 — استخدم وزير الخارجية صلاحية التنازل 180 يوماً عن عقوبات قانون قيصر في إجراء مؤقت.
- 30 يونيو/ حزيران 2025 — أنهى الأمر التنفيذي رقم 14312 برنامج العقوبات الشامل بصورة دائمة.
- 7 يوليو/ تموز 2025 — ألغت وزارة الخارجية تصنيف هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية أجنبية.
- 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 — اعتمد مجلس الأمن القرار 2799، شاطباً الرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من نظام عقوبات 1267/1989/2253.
- 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 — شطبت وزارة الخارجية رسمياً الشرع من قائمة الرعايا المعينين بشكل خاص (SDN)، بصفته الفردية إرهابياً عالمياً محدّداً بشكل خاص (SDGT)، وذلك قبل يوم من زيارته البيت الأبيض.
- 18 ديسمبر/ كانون الأول 2025 — ألغى الكونغرس قانون قيصر بالكامل وبصورة دائمة بموجب المادة 8369 من قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026، بتصويت مجلس النواب بأغلبية 312 صوتاً مقابل 112، ومجلس الشيوخ بأغلبية 77 صوتاً مقابل 20.
- 27 فبراير/ شباط 2026 — رفعت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن، بالإجماع، هيئة تحرير الشام وجميع أسمائها المستعارة المعروفة، بما في ذلك جبهة النصرة وجبهة فتح الشام، من نظام العقوبات 1267، منهيةً بذلك تجميد الأصول وحظر السفر وحظر الأسلحة المفروضة منذ 2014. واعتباراً من ذلك التاريخ، لم تعد هناك أي تدابير أممية خاصة بسورية سارية المفعول.
- 8 يوليو/ تموز 2026 — أخطر الرئيس دونالد ترامب الكونغرس بقراره شطب تصنيف سورية دولةً راعيةً للإرهاب، وأعلنت وزارة الخارجية أنها تباشر عملية الشطب — بما يُطلق فترة المراجعة الإلزامية في الكونغرس البالغة 45 يوماً التي يجب أن تنقضي قبل أن يدخل الشطب حيز النفاذ القانوني.
ورغم هذا التراكم في الإعفاءات، لا يزال التصنيف دولة راعية للإرهاب قائماً، ويحمل استمراره عواقب لا تستطيع التدابير الموازية إلغاءها. فهو يثير مخاوف تتعلق بالسمعة ويفرض مخاطر قانونية تثني البنوك الدولية وشبكات البنوك المراسلة ومؤسسات تمويل التنمية متعددة الأطراف عن التعامل مع سورية، حتى في الحالات التي لا توجد فيها قيود تقنية تمنع معاملات محددة.
ماذا سيتغيّر بالشطب
ومن شأن شطب سورية من القائمة أن يزيل حاجزاً رسمياً أمام تقديم المساعدات المباشرة من الحكومة الأميركية إلى الحكومة السورية، وأن يطبّع وصول سورية إلى تسهيلات صندوق النقد والبنك الدوليين، وأن يقلل حسابات المخاطر القانونية لدى الأطراف الثالثة التي تفكر في الاستثمار أو التجارة.
لقد تقدمت العملية كثيراً. ومع إتمام إخطار الكونغرس في 8 يوليو/ تموز 2026، يبقى المتطلب الإجرائي الوحيد هو فترة المراجعة البالغة 45 يوماً التي يوجبها القانون الأميركي قبل أن يدخل الشطب حيز النفاذ القانوني — وهي مهلة تنتهي، ما لم يُمرَّر قرار مشترك بالرفض، في نحو 22 أغسطس/ آب 2026. ومن المأمول أن تنقضي دون تمرير مثل هذا القرار، وأن تُرفع سورية من هذه القائمة التي بات استمرارها امتداداً لأعباء حقبة الأسد وآثارها الثقيلة.
فضل عبد الغني — مؤسّس الشبكة السورية لحقوق الإنسان في حزيران 2011 ورئيسها منذ ذلك الحين. حاصل على شهادة الماجستير في القانون الدولي (LLM) من جامعة دي مونتفورت في مدينة ليستر بالمملكة المتحدة. باحث غير مقيم في المعهد العالمي للبحوث الاستراتيجية (GISR).