انتقل إلى المحتوى الرئيسي
أصحاب محلات يرفعون الأبواب المعدنية لمحلاتهم في شارع حجري صباحاً.
أخبار

عقوبات سوريا رُفعت. فلماذا لا يزال نصف العالم مغلقاً في وجهها؟

أنس إخوانتُقرأ في 7 دقائق

ظلّت سوريا أربعة عشر عاماً مقطوعةً عن الاقتصاد العالمي، ثم بدأ ذلك يتغيّر في عام 2025. فقد رفعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وجهات أخرى معظم العقوبات التي كانت تمنع العالم من التعامل التجاري مع السوريين.

قد تظنّ إذن أنّ السوريين صاروا قادرين على فتح حساب مصرفي والتسوّق واستخدام الخدمات الرقمية كغيرهم. ليس بعد. وكثير ممّا يُقال عن هذا الملف غير دقيق، وأغلبه ضجيج ومنشورات على مواقع التواصل، برأيي.

هذه هي القصة كاملة: من أين بدأت، وأين وصلنا، وما الذي لا يزال يقف في الطريق.

فكيف بدأ كلّ هذا؟

أولاً، ما العقوبة؟ العقوبة قاعدة تضعها حكومة لمنع التعامل التجاري مع بلدٍ ما أو للحدّ منه. أوقف المال، وأوقف التجارة، فتضغط بذلك على من يمسك القرار. فكرة بسيطة، وأثر ثقيل. وقد تراكمت هذه القواعد على سوريا على مدى عقود.

بدأت القصة عام 1979، حين أدرجت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب. وما إن يدخل بلدٌ تلك القائمة حتى يتبعه جدار من القيود: تتوقّف المساعدات، وتتوقّف مبيعات السلاح، ويحتاج كثير من الصادرات إلى ترخيص خاص، وتتوجّس المصارف.

ثم جاءت المشكلة الثانية عام 2010، حين صنّفت مجموعة العمل المالي (فاتف) سوريا بلداً عالي المخاطر. وفاتف هي الجهة الرقابية العالمية لمكافحة غسل الأموال، والمصارف في كلّ مكان تتبع قوائمها. وحين تقول فاتف إنّ بلداً عالي المخاطر، تنسحب المصارف، لأنّ أحداً لا يريد أن تطاله الغرامات.

في عام 2011 بدأت الحرب، وفرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات ثقيلة، فانقطعت قطاعات كاملة: النفط والمصارف والتجارة.

ثم جاءت الضربة الكبرى. في عام 2019 أقرّت الولايات المتحدة قانون قيصر، وكان مختلفاً عمّا سبقه: فهو لم يعاقب الشركات الأميركية وحدها على التعامل مع سوريا، بل عاقب أيّ جهة في أيّ مكان. شركة في أميركا الجنوبية أو في أوروبا قد تطالها العقوبة لأنّها تعمل في سوريا. هذا ما يسمّى العقوبات الثانوية، وقد أخافت العالم كلّه، لا الولايات المتحدة وحدها.

وبحلول عام 2020 كانت سوريا من أكثر بقاع الأرض خضوعاً للعقوبات.

  1. 1979
    الولايات المتحدة تدرج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب.
  2. 2010
    مجموعة العمل المالي (فاتف)، الجهة الرقابية العالمية لمكافحة غسل الأموال التي تلتزم بها المصارف، تصنّف سوريا بلداً عالي المخاطر.
  3. 2011
    الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يفرضان عقوبات ثقيلة مع بداية الحرب.
  4. 2019
    قانون قيصر الأميركي: عقوبات ثانوية تُخيف حتى الشركات غير الأميركية.
كيف ارتفعت الجدران المصدر: مجلس الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة، وزارة الخارجية الأميركية، الكونغرس الأميركي

وكيف سقطت الجدران؟

في كانون الأول 2024 سقط نظام الأسد، فتغيّر كلّ شيء. كانت العقوبات مبنيّة على حكومة لم تعد قائمة، فبدأ العالم يزيلها واحدةً تلو الأخرى.

في أيار 2025 تحرّك الاتحاد الأوروبي أولاً ورفع عقوباته الاقتصادية عن سوريا، فسقطت قواعد التجارة والمال التي ظلّت سارية سنوات.

وبعد شهر، في حزيران 2025، تبعته الولايات المتحدة، ورفع الرئيس ترامب معظم العقوبات الأميركية عن سوريا دفعةً واحدة.

وفي الداخل السوري انفتح الباب أيضاً: قانون استثمار جديد، المرسوم 114 لعام 2025، صار يتيح للمستثمر الأجنبي أن يملك مشروعاً بالكامل من دون شريك محلي.

وفي تشرين الثاني 2025 تحرّكت الأمم المتحدة، وأصدر مجلس الأمن القرار 2799 الذي رفع تجميد الأصول وحظر السلاح المرتبطَين بإدراجات الإرهاب القديمة.

ثم ذهبت الولايات المتحدة أبعد من ذلك في كانون الأول 2025 وألغت قانون قيصر. المادة 8369 من قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026 (القانون العام 119-60)، الموقَّع في 18 كانون الأول 2025. الإلغاء غير مشروط، لكنّ الرئيس ملزم طوال أربع سنوات بأن يقدّم إلى الكونغرس كلّ 180 يوماً تقريراً يبيّن هل تستوفي الحكومة السورية ثمانية شروط، من مكافحة داعش إلى حماية الأقليات. وإذا تعذّر التأكيد في تقريرين متتاليين، يجوز للرئيس أن يدرس فرض عقوبات موجّهة على أفراد. وهكذا زال الجدار الذي أخاف العالم كلّه.

وفي أيار 2026 أعاد الاتحاد الأوروبي العمل باتفاقية التعاون مع سوريا، وهي إطار العلاقات والتبادل التجاري الطبيعي بين الطرفين.

وفي آب 2026 جاءت الخطوة الكبرى الأخيرة: ففي الرابع والعشرين منه ألغت الولايات المتحدة تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب، التصنيف نفسه الذي وُضع عام 1979. وزارة الخارجية الأميركية، بيان إلغاء تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب، 24 آب 2026. ونُشر الإلغاء في السجل الفيدرالي الأميركي برقم 91 FR 55965 في 31 آب 2026. سبعة وأربعون عاماً ثم رُفع. ولا بدّ أن أقولها: هذا إنجاز كبير.

إذن سوريا مفتوحة والأمور تسير كالمعتاد، صحيح؟ ليس تماماً، وليس بعد.

  1. 28 أيار 2025
    الاتحاد الأوروبي يرفع عقوباته الاقتصادية.
  2. حزيران 2025
    الأمر التنفيذي الأميركي 14312 يرفع معظم العقوبات الأميركية.
  3. 2025
    قانون استثمار جديد، المرسوم 114 لعام 2025، يتيح التملّك الأجنبي بنسبة 100%.
  4. 6 تشرين الثاني 2025
    قرار مجلس الأمن 2799 يرفع تجميد الأصول وحظر السلاح.
  5. 18 كانون الأول 2025
    الولايات المتحدة تلغي قانون قيصر.
  6. 11 أيار 2026
    الاتحاد الأوروبي يعيد العمل باتفاقية التعاون مع سوريا.
  7. 24 آب 2026
    الولايات المتحدة تلغي تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب.
كيف سقطت الجدران المصدر: مجلس الاتحاد الأوروبي، البيت الأبيض، الرئاسة السورية، مجلس الأمن الدولي، الكونغرس الأميركي، وزارة الخارجية الأميركية

ما الذي بقي، وما الخطوة التالية؟

إذا كان القانون قد فُتح، فلماذا لا يزال المال عالقاً؟ لأنّ القانون شيء، والمال شيء آخر.

التعامل التجاري مع سوريا وتحريك الأموال إليها ومنها هو الجزء البطيء، وثمّة أمور عدّة يجب أن تحدث أولاً.

  1. المصارف لا تزال حذرة. القانون صار يسمح للمصارف الأجنبية بالعمل مع سوريا، لكنّ معظمها لا يسارع إلى ذلك، لأنّها تفضّل البقاء في المأمن. هذا ما يُعرف بتفادي المخاطر، ومن المهمّ أن نفهم أنّ القانون ليس هو ما يوقف المال، بل المصارف هي التي تختار الانتظار.

  2. سوريا لا تزال على قائمة مراقبة مالية عالمية. فهي مدرجة على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي، أي قائمة الدول التي لا تثق بها الجهة الرقابية ثقةً كاملة بعد. وهذا مهمّ، لأنّ المصارف في كلّ مكان تراجع تلك القائمة قبل أن تحرّك دولاراً واحداً. وللخروج منها على سوريا أن تعيد بناء أنظمة رقابتها المصرفية وأن تجتاز مراجعة، وهذا يستغرق أشهراً، وربّما أكثر.

  3. بعض القواعد الأميركية لا تزال قائمة. فسوريا ما زالت مدرجة على قائمة أميركية لدول تخضع لضوابط مشدّدة على التقنيات الحسّاسة، وأغلبها أسلحة ومعدّات عسكرية. أمّا البرمجيات العادية والهواتف والسلع اليومية فلم يعد هذا يعنيها، إذ صارت مسموحة أصلاً. مكتب الصناعة والأمن الأميركي، تخفيف ضوابط التصدير إلى سوريا، 90 FR 42315، 2 أيلول 2025. أضاف القرار استثناءات ترخيص لسوريا، منها استثناء للسلع اليومية المصنّفة EAR99. لكنّ الإجراءات الورقية اللازمة لشطب سوريا من تلك القوائم نهائياً لم تُنجز بعد.

  4. الشركات لا تزال تحجب سوريا من تلقاء نفسها. وهذه هي النقطة الغريبة. فكثير من المواقع والتطبيقات ما زال يحجب المستخدمين السوريين رغم أنّ القانون، في معظم الحالات، لم يعد يفرض ذلك. هي ببساطة لم تحدّث أنظمتها، أو أنّ مزوّديها ما زالوا يحجبون سوريا، فتترك الحجب مفعّلاً. سياسة انتظار وترقّب، مصدرها واحد: شركات كثيرة لم تفهم يوماً ما الذي يسمح به تخفيف العقوبات فعلياً، فتراقب ما يفعله الآخرون وتسمّي ذلك تفادياً للمخاطر.

  1. نهاية 2026
    الولايات المتحدة تخفّف ضوابط التصدير.
  2. 1 حزيران 2027
    انتهاء العقوبات الأوروبية المحدّدة على رموز نظام الأسد السابق.
  3. 2027
    فاتف ترفع تصنيف سوريا وتزيل صفة المخاطر العالية.
  4. نهاية 2027 أو مطلع 2028
    عودة العمل المصرفي: المصارف المراسلة وسويفت ومنصّات الدفع مثل Stripe وPayPal.
  5. 2028
    رفع الحجب عن سوريا بالكامل، كما نأمل.
ما الذي لا يزال يجب أن يحدث المصدر: مجلس الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة، وزارة الخارجية الأميركية، الكونغرس الأميركي التواريخ تقديرية.

خلاصة القول

أين نحن إذن حقيقةً؟

الجدران القانونية سقطت. هذا أمر منجَز، وهو إنجاز كبير.

أمّا المال والتقنية فهما الجدار التالي، ولا يزال قائماً. على المصارف أن تطمئنّ، وعلى سوريا أن تخرج من قائمة المراقبة، وعلى الشركات أن تغيّر إعداداً بسيطاً ظلّت تتجاهله.

كلّ خطوة من هذه الخطوات تفتح شيئاً ملموساً: حين تعود المصارف إلى التعامل، تستطيع الشركات أن تقبض. وحين تخرج سوريا من قائمة المراقبة، ترتاح المصارف. وحين تحدّث الشركات أنظمتها، يستعيد السوريون الأدوات اليومية التي يستخدمها غيرهم دون أن ينتبه إليها أحد.

لم ينتهِ شيء من هذا بعد. لكنّه، لأوّل مرّة منذ أربعة عشر عاماً، يتحرّك فعلاً. ومعرفة أين نقف بالضبط خير من تصديق ما يُقال.

هل ينهي رفع التصنيف مشكلة الحجب الرقمي؟تُقرأ في 18 دقيقة

أنس إخوان مختصّ في الضرائب والتجارة الدولية. التحليل والآراء الواردة هنا تعبّر عنه وحده.

الحواشي

  1. المادة 8369 من قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026 (القانون العام 119-60)، الموقَّع في 18 كانون الأول 2025. الإلغاء غير مشروط، لكنّ الرئيس ملزم طوال أربع سنوات بأن يقدّم إلى الكونغرس كلّ 180 يوماً تقريراً يبيّن هل تستوفي الحكومة السورية ثمانية شروط، من مكافحة داعش إلى حماية الأقليات. وإذا تعذّر التأكيد في تقريرين متتاليين، يجوز للرئيس أن يدرس فرض عقوبات موجّهة على أفراد.

  2. وزارة الخارجية الأميركية، بيان إلغاء تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب، 24 آب 2026. ونُشر الإلغاء في السجل الفيدرالي الأميركي برقم 91 FR 55965 في 31 آب 2026.

  3. مكتب الصناعة والأمن الأميركي، تخفيف ضوابط التصدير إلى سوريا، 90 FR 42315، 2 أيلول 2025. أضاف القرار استثناءات ترخيص لسوريا، منها استثناء للسلع اليومية المصنّفة EAR99.

عن هذه المقالة

عرض كل المقالات