
رغم العوائق الرقمية... تفوقت في علوم الحاسوب وحققت حلم دراسة الذكاء الاصطناعي في بريطانيا
ميريام العربجي الصايغتُقرأ في 3 دقائقكانت الشركة تبحث عن مطوّرٍ يعرف Python وDjango. وميريام، التي كانت قد تخرّجت لتوّها عام 2019، لا تعرف أيّاً منهما.
أجابت عن أسئلة المقابلة بلغة Java، وقالت لهم إنّ أساس البرمجة هو القدرة على التفكير وتفكيك المشكلة، وإنّ أيّ لغةٍ أو تقنيةٍ يمكن تعلّمها بعد ذلك.
وحصلت على الوظيفة.
ولم تكن تلك المرّة الأولى؛ فقد فعلت شيئاً قريباً منها في الثامنة عشرة، مع اختصاصٍ لم تخترْه.
الاختصاص الذي لم تختره
كانت تريد دراسة الصيدلة. فقد كان والدها يعمل في المجال الطبي المخبري، وكانت الصيدلة أقرب ما يكون إلى العالم الذي عرفته في البيت. أمّا ما عدا ذلك من تخصّصاتٍ ومساراتٍ وما تفضي إليه، فلم تكن تعرف عنه إلّا القليل.
ثمّ لم تأتِ الفرصة التي كانت تنتظرها، فصار السؤال أصعب.
لم تكن علوم الحاسوب خيارها الأوّل، ولا وقعت في حبّها من أوّل يوم. وقد شجّعتها صديقتها سميّة، وهي مهندسة معلوماتية رأت أنّ المجال يناسب شخصيّتها، على أن تجرّبه. أمّا ميريام فقرّرت أنّها لا تملك بعدُ حقّ الحكم.
تقول: "كنت مقتنعة أنّ الشيء الذي لا أعرفه ولا أفهمه لا يحقّ لي أن أقول إنّني لا أحبّه. كان هدفي أن أفهمه أوّلاً، وبعدها أقرّر."
بالفضول وحده بدأت، ثمّ انفتح لها المجال على مهل: منطقه أوّلاً، ثمّ تلك المتعة الخاصّة في الجلوس إلى مسألةٍ حتى تنحلّ. وفي أثناء دراستها شاركت مع فريقها في مسابقةٍ برمجية وبلغوا المرحلة السورية منها، وكانت تلك نقطة تحوّل؛ إذ رأت لأوّل مرّة إلى أين يمكن أن يمضي بها هذا الطريق. وفي المسابقة نفسها التقت بمن سيفتح لها باب أوّل وظيفة.
وظيفتان وماجستير
تخرّجت بمعدّلٍ جيّد، ولم تكن تريد أن تبتعد عن الجانب الأكاديمي؛ فقد كانت فكرة الدراسات العليا حاضرةً في ذهنها دائماً. فقرّرت أن تدرس الماجستير إلى جانب عملها.
وعلى مدى أربع سنوات، جمعت بين ثلاثة: العمل، والماجستير، وتدريس المواد العملية لطلاب كلية الهندسة المعلوماتية.
والتدريس هو ما تتحدّث عنه.
حرصت على أن تربط كلّ درسٍ بالتطبيق العملي وبما سيحتاجه الطلاب في العمل الحقيقي. وقد تخرّج كثيرٌ منهم اليوم ومضوا في طريقهم، وما زالت على تواصلٍ معهم. ومن بين كلّ ما فعلته في تلك السنوات، كان التدريس هو ما ترك فيها الأثر الأعمق، على المستوى الشخصي قبل المهني.
تقول: "رأيت حماس الشباب، وكيف كانوا يتابعون دراستهم رغم كلّ الظروف. كانوا يحتاجون فقط إلى مصدر إلهامٍ صغير، أو شعلةٍ بسيطة، حتى يكملوا."
تركت وظيفتها ولا شيء في يدها
بعد أن أنهت الماجستير، أرادت أن تعود إلى التعلّم والبحث. قدّمت امتحان IELTS، ثمّ تركت عملها دون أن يكون لها مكانٌ تذهب إليه، حتى يصير البحث عن مقعدٍ للدراسة شغلها الوحيد.
استغرق البحث أشهراً.
ووجدت في النهاية برنامج Applications of Artificial Intelligence في جامعة إسكس في بريطانيا. يُعنى البرنامج بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجتمعات، وهو ما شدّها إليه؛ وقد اختارته وسوريا في بالها، لأنّ ما ستتعلّمه هناك قد يجد طريقه إلى البلاد لاحقاً.
قدّمت على منحة مؤسسة سعيد (Said Foundation). طال الانتظار، ثمّ جاء القبول.
وفي تشرين الأوّل/ أكتوبر تبدأ.

الجزء الذي يسهل إغفاله
كلّ ذلك تقريباً كان يحتاج إلى وجودها في المكان نفسه: فقد التقت في مسابقةٍ برمجية بمن وظّفها، وأقنعت أصحاب العمل وجهاً لوجه في مقابلة، ووقفت أربع سنواتٍ في قاعة درسٍ تُعطي طلابها الأساس العملي نفسه الذي دافعت عنه في تلك المقابلة.
ومعظم هذه الأماكن صار اليوم على الإنترنت: الدورة، وبوابة المنحة، وصفحة الدفع، والشبكة المهنية التي تُذكر فيها الوظيفة قبل أن تُعلَن. وكثيرٌ منها موصدٌ أمام من هم داخل سوريا، وفي سوريا آلافٌ يملكون ما تملكه ميريام من قدرةٍ وشغف.
الموهبة موجودة، والطموح موجود، والوصول هو ما يفتح الباب.
في Unblock Syria نعمل على إزالة هذه العوائق، لأنّ كلّ عائقٍ يسقط يعني شخصاً آخر يُتاح له أن يتعلّم ويبني ويشارك في مستقبل بلده. هذا هو جوهر عملنا، ولن نتوقّف حتى نبلغه.